|
د. رياض نعسان آغا أب 2008 المنارة : أبو ظبي
أمتعني عرض صقر قريش الذي قدمته فرقة إنانا احتفاء بدمشق عاصمة للثقافة العربية ( وهو إنتاج مشترك بين وزارة الثقافة ووزارة السياحة وأمانة الاحتفالية ) وأجدني مندفعاً للكتابة عنه ، لأنني أجد هذا العمل المسرحي الغنائي الراقص أهم ما قدمته دمشق من عروض وأنشطة في هذا العام لكونه يعرض سيرة تواصل ثقافي هام حققه صقر قريش والأمويون عامة بين الشرق العربي والغرب الأوربي ، حيث ما تزال شواهد الأندلس حية تحكي تاريخ ازدهار حضاري رفيع الشأن يشكل اليوم إرثاً مشتركاً بيننا وبين أصدقائنا الأسبان . وصقر قريش هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ، خرج من سورية هارباً من بطش العباسيين ، وتمكن من الوصول إلى الشمال العربي الإفريقي ، حيث أخواله الذين حموه ودافعوا عنه أمام حملة (الفهري ) والي المغرب الذي سعى إلى القبض عليه تقرباً من العباسيين ، وتستعرض مسرحية صقر قريش المرحلة الأخيرة من العهد الأموي حتى سقوط الدولة ، وإعلان العباس أنه لن يترك على ظهر الأرض أموياًُ ، وهنا تبدأ المطاردة وينجو عبد الرحمن بينما يموت شقيقه فيبقى وحيداً ، وتتابع المسرحية رحلته إلى سيناء ومنها إلى مصر ثم إلى المغرب العربي ، مستفيدة من الإيقاعات الراقصة والموسيقى والفولكلور والأزياء التي يتخصص بها كل بلد عن سواه ، وقد استخدم جهاد مفلح مخرج العرض أحدث التقنيات المسرحية ، مستعينا| بفن الأكروبات الصيني الذي سبق أن تابعناه معاً وأعجبنا به في أثناء مشاركتنا في مهرجان الفنون العربية الذي أقيم في بكين ونانجين عام 2006 وبدت هذه التقنية رافداً هاماً للتشكيل المسرحي والراقص الذي أدهش به جهاد المتفرجين حيث يطير الممثلون على ارتفاع عشرين متراًُ وينزلون من سماء المسرح وفضائه إلى خشبته عبر متابعة مبهرة من الإضاءة ، وقد وظف جهاد هذه التقنية توظيفاً درامياً غير مجاني ، بدا ذلك في مشهد الهروب الأول من نهر الفرات حيث طار الممثل في الفضاء ، وفي ذلك تعبير أجمل من الهرب المتستر ، لأنه يوحي بالصعود الرحب الذي تجسده هذه اللحظة من حياة عبد الرحمن . كما أفاد المخرج من إمكانات الخشبة الخاصة التي يعرض عليها حيث يمتد المسرح على عدة مستويات ، في كل مستوى منها حدث مواز ، يقدم متابعة للحدث بشكل يعتمد على تنسيق الجمالية مع الرغبة بالإبهار الشكلي ، ولم تكن الرقصات في تشكيلاتها مجانية ، أو تزينية فقد تمكنت مصمم الرقص من التوظيف الموضوعي للفنون الشعبية المعروفة عند كل بقعة جغرافية من مسار رحلة عبد الرحمن .
وقد بدا ناجحاً ما سعى إليه العرض من التكثيف الدرامي فخلال ساعة وعشر دقائق تقدم رحلة الصقر الذي أقام دولة بني أمية عبر أهم محطاتها وأبرز ما كان فيها من أحداث دون الإخلال بالسرد التاريخي ، ولكون المسرحية استعراضية راقصة فإنه يصعب أن نجري عليها معايير المسرح العادي ، فهنا تقوم الموسيقى و الأغنية والحركة الراقصة التعبيرية مقام الحوار ، ويفيد الممثل من فنون الباليه عبر الرشاقة والقفزات في الهواء بدل الاعتماد على الحركة المسرحية التقليدية ، وقد برعت الفرقة كلها في الرقص والأداء وهي فرقة مجربة قدمت العديد من الأعمال الناجحة مثل هواجس الشام وجوليا دومنا ، والسندباد وزنوبيا .
وأرجو أن يتاح لنا إرسال هذه العمل سفيراً لثقافتنا إلى بلدان أوربا ، و أن نبدأ من قرطبة حيث مملكة عبد الرحمن الداخل التي استمرت ثمانية قرون وباتت آثارها العظيمة في مسجد قرطبة الأكبر في العالم الإسلامي كله ، ومكتبتها الأشهر في التاريخ الوسيط ، والرقي العلمي الذي تحقق فيها ، وروح التعايش والتسامح الديني والعرقي ، مآثر خالدة جديرة بأن تستلهم لبناء مستقبل ثقافي يحقق ما تسعى إليه دول حوض المتوسط من اتحاد ثقافي وتكامل اقتصادي لصالح شعوبنا جميعاً .
|