|
فنون: مفارقات درامية |
|

حين حقق مسلسل باب الحارة نجاحاً غير مسبوق كان تفسير نجاح المسلسل كونه يستعيد القيم العربية الأصيلة ويذكر الناس بالشهامة والمروءة و معايير شرف الكلمة والوعد ، والحفاظ على الأسرة برعاية الأبوين وهما يجسدان بنية المجتمع الأولى عبر ما توارثته الأمة من مكارم الأخلاق من قبل الإسلام ومن بعد ، وكنت حين يسألني الصحب أو الزملاء من الصحفيين عن سر هذا النجاح لا أجد تفسيراً غير شوق الناس لتلك الألفة التي كان يعيشها آباؤنا في جو اجتماعي حميم ، التي بدأ المجتمع العربي يفقده بعد أن عاش حياة عصرية كان من سلبياتها ما نشهده من تفكك اجتماعي و تغريب وقد بات أحدنا يسكن في عمارة مزدحمة سنين طويلة ولكنه لا يعرف جيرانه فيها ، بل إن بعضهم يشاركونك في المصعد فلا يلقون عليك التحية وإن بادرتهم يردونها بتمتمة باهتة ، وكانت مثل هذه الحالات من الغربة الداخلية حديث طرافة عند أهلنا قديماً ، وأذكر في الخمسينيات أن أحد أبناء عمي وكان يدرس الطب في إحدى عواصم أوربا ، سأله جدي عن جيرانه وعن رعايتهم له بوصفه غريباً ، فضحك ابن عمي وقال نحن في بلد لا يعرف فيها أحد جيرانه ، فقال جدي بئس تلك البلد ، ولو أن جدي يعيش اليوم لوجد ما حدث في مجتمعنا من الغربة أسوأ مما كان ينكره على الأوربيين ، وقد أعادت ذكريات الحارة هذا الحنين إلى التكاتف الاجتماعي والتعاطف والتكافل ، لكن المفارقة الدرامية التي أفسدت تفسيرنا لنجاح باب الحارة وإقبال الناس عليه ، ما نجده من نجاح مذهل وإقبال عجيب على المسلسلات التركية (المدبلجة ) التي تقدم النموذج المعاكس تماماً لقيم باب الحارة ، وقد راعني أن أجد بناتنا الصغيرات تتعلقن بمتابعة هذا المسلسل الذي يقدم أحداثاً مثيرة عن مجتمع يفترض أنه إسلامي لكن الإسلام منه بريء ، مما يدعوني إلى الريبة في الهدف من إنتاج مسلسلات مكن هذا النوع المثير المشوق لترويج قيم اجتماعية جديدة تخترق المجتمع الإسلامي عامة ، وتجعل قضايا العلاقات الجنسية في المجتمع خارج شرعية الأسرة أمراً مباحاً ومتاحاً ، ذاك أن هذا الموضوع يبدو الشغل الشاغل للغرب ، فبعد أن تهدم مفهوم الأسرة في أوربا وأمريكا ، وبعد أن حقق الغرب انتصاراً ساحقاً للشذوذ الجنسي وبات الشاذون موضع تقدير واحترام من البرلمانات التي شرعت قوانين لحماية الشذوذ ، بات بعض الغرب يريد أن يسوق هذا الرضا عن الشذوذ ( وهو موجود في كل المجتمعات الإنسانية ولكنه مرفوض أخلاقياً ) ويبدو هذا الرفض الأخلاقي مزعجاً للشاذين ، وهم يصرون على أن يجعلوا الشذوذ عن القيم قاعدة وأن تصير العلاقات الطبيعية استثناء ، وأن يهدموا ما لدى المسلمين والمسيحيين العرب من تمسك بالقيم التي حرصوا عليها قروناً ، ولهذا نجد دعوات حتى من هيئة الأمم تضغط على الدول العربية من أجل التوقيع على اتفاقيات تنص فيما تنص على واجب الأبوين بتأمين حرية جنسية لأبنائهن وبناتهن خارج إطار الحياة الزوجية ، ويعجب المرء من انشغال الغرب بقضايا الجنس أكثر من انشغالهم بقضايا الجوع ، حيث هناك ملايين الناس ممن يموتون جوعاً ، وهم يحدثوننا في كل لقاء عن تمكين المرأة العربية ونحن نرى كيف حولوا المرأة على الغالب في الغرب إلى سلعة إعلانية ، وقد روت لي إحدى الأمهات في ألمانيا أن ابنها يرسل إليها بطاقة معايدة في كل رأس سنة ولكنه لم يزرها منذ سنين طويلة ، قلت أين يعيش أهو في قارة أخرى ، قالت إنه يعيش في الشارع الخلفي وراء منزلي ، وأعود إلى الحديث عن المفارقة الدرامية بين إعجاب الناس بقيم باب الحارة ، ثم إعجابهم بقيم سنوات الضياع ، وفتنتهم بهذه المسلسلات التركية التي تقد طبيعة جميلة ، وممثلين جذابين ، ولكنها تبث نمطاً من السلوك والعيش يهدم الحارة ويدمر قيمها ، وما أظن ذلك يأت يعفو الخاطر ، ذاك أنني مشبع بالاعتقاد بنظرية المؤامرة ، لدرجة أنني أعتقد أن إنكارها مؤامرة ، بهدف أن يصير الناس بلهاء يظنون أن ما يحدث لهم من مصائب هو من صنعهم وحدهم ، وأنه لا يوجد لهم عدو همه الأكبر اليوم أن يدمر الأسرة العربية المسلمة والمسيحية تماماً كما دمرت قيم الصهيونية مجتمعات الغرب ، ومن لا يصدق أن هذه المسلسلات تهدف إلى هذا التدمير بوسعه أن يسأل عن مصدر ملايين الدولارات التي تنفق على هذه التفاهات ، بينما يمنع من العرض على القنوات العربية أي عمل مثل التغريبة الفلسطينية أو فارس بلا جواد أو الشتات .
|
|
|
أرسلت في الأثنين 22 سبتمبر 2008 بواسطة riad |
|
| |
|