|
اللؤلؤة السوداء من أبو ظبي إلى دمشق |
كنت سعيداً باللؤلؤة السوداء التي قدمها مهرجان أبو ظبي السينمائي تحية وتهنئة لدمشق لكونها عاصمة الثقافة العربية هذا العام ، وقد أحسن منظمو المهرجان حين اختاروا اللؤلؤ رمزاً لأبو ظبي ، لكونها عاصمة اللؤلؤ الطبيعي الأعرق ، فهي البيئة الأمثل في العالم لإنتاج اللآليء الطبيعية ، وفيها جزر هي الأغنى بانتاج اللؤلؤ في العالم مثل دلما وبني ياس وداس وصير ، وفيها أعرق الأسواق التي يؤمها تجار اللؤلؤ الذي اشتهر به الخليج العربي منذ آلاف السنين ، والمؤسسون من جيل الآباء في الإمارات يروون أحاديث فيها من طرائف المغامرات ما يثير المخيلة ، وقد حدثني طويلاً قبل رحيله بسنوات شاعر الإمارات سلطان العويس رحمه الله أحاديث وقرت في ذاكرتي عن حكايا الغوص والبحث عن اللؤلؤ وتجارته ، كما قرأت في كتاب الصديق سالم السامان ( دفتر العمر ) معاناة الآباء الذين جعلوا حياتهم مسيرة كفاح شاقة كي ينعم الأبناء اليوم بالرفاهية التي يزهو بها شعب الأمارات والمقيمون فيها ، وقد اهتمت أبو ظبي باستعادة مكانة اللؤلؤ في تراثها الثقافي ، فأقيمت فيها معارض دولية للؤلؤ ، أذكر أن احدها ضم أكثر من مليون حبة لؤلؤ ، وقد حملت اللؤلؤة السوداء إلى دمشق التي تزدهي بكونها عاصمة الثقافة الأبدية ، وقد أشرت في كلمة الشكر التي قدمتها تقديراً لهدية أبو ظبي وما ترمز إليه إلى كون الاحتفاء بدمشق لا يخص السوريين وحدهم ، فدمشق عاصمة العرب جميعاً مذ تبلورت فيها أول دولة عربية خالصة هي الدولة الأموية التي امتدت حدودها من كاشغر على تخوم الصين إلى جنوب باريس و كانت تضم أجزاء ضخمة من شمال آسيا إلى جنوبها ، ومساحات شاسعة من أفريقيا شرقاً وغرباً وشمالاً ، وحين زالت دولة الأمويين وظهرت دولة العباسيين ، أسس عبد الرحمن الداخل ( صقر قريش الأموي ) أهم دولة ثقافية وحضارية عرفتها أوربا في القرون الوسطى هي دولة العرب في الأندلس ، وتاريخ العروبة في دمشق لا يبدأ مع الفتح العربي كما يظن بعض الدارسين ، فالعروبة في الشام كنعانية عريقة ، وإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف قبل الإسلام تواصل ضخم بين شطري الأمة من الشام إلى اليمن ، وقد حرر الفتح العربي الإسلامي سورية من الاحتلال البيزنطي وأعاد لها وجه عروبتها الصافي ، وهذا لا يعني إنكاراً لوجود أمم وشعوب أخرى غير العرب سكنت بلاد الشام ، فتاريخ سورية هو تاريخ العالم القديم والحضارات المتعاقبة عبر التاريخ ، وقد أسعدني قول أحد المؤرخين ( إذا أردت أن تقرأ مختصراً لتاريخ الحضارة الإنسانية فحسبك أن تقرأ تاريخ سورية ) وهو بالطبع يقصد سورية الطبيعية المتصلة بكل أقاليم العرب وهذا ما يشهد به إلى اليوم اتصال الأنساب الممتدة بين قبائل سورية وقبائل الخليج العربي والحجاز واليمن ومصر والمغرب العربي ، وحديث اللؤلؤة يقودني إلى الحديث عن أبو ظبي التي أشعر حين أزورها أنني في بلدي الثاني ، فقد أقمت فيها فترة كوني سفيراً لبلادي في دولة الإمارات ، وأحببت فيها طيبة شعبها ونبل أخلاقه وفيض بساطته وكرمه ، وفتنت بتألقها وسرعة تطورها الحداثي ، وقد أتاحت لي زياراتي المتكررة لها منذ ربع قرن ونيف أن أتابع التطور العمراني والإنساني فيها ، وقد انعقدت بيني وبين شواطئها صلة حميمة حين كنت أقضي شطراً من الليل سارحاً في المكان الأرحب على شاطئ الكاسر ، وكنت أستعيد موقعه قبل أن يزحف إلى البحر الذي ردم بعضه فاتسعت المدينة حتى بات شاطئها الأرحب من أجمل وأرقى الشواطئ العالمية ، وقد سررت لكون مهرجان أبو ظبي السينمائي يقام في قصر الإمارات ، وكان طريفاً أن تجد الأوربيين والأمريكان وسواهم من كبار الفنانين المدعوين والزائرين من أرجاء الأرض يلتقطون الصور التذكارية في القصر الذي يفيض بهاء وجمالاً في تجسيده للعمارة العربية الإسلامية مع حداثة العصر و تقنياته ، ولست أقصد هنا دعاية للقصر فهو غني بها ، ولكنه بات من أحب الأمكنة التي زرتها إلي ، ولاسيما لكوني من أوائل من زاروه قبل أن يفتتح وقد عرفت بعض أسرار جماله مما شرحه لي المهندسون المبدعون ، ولئن كانت اللؤلؤة السوداء التي حملتها إلى دمشق تحية من أبو ظبي قد دفعتني بمعانيها التاريخية والتراثية إلى الكتابة عنها ، فإن اللؤلؤة التي تشع عطاء وتضيء بريقاً من الضياء في القلوب هي المشاعر العذبة الصادقة الصافية التي تربط بين دمشق وأبو ظبي ، وبين كل عواصمنا العربية ، وكانت تفيض عذوبة بين المبدعين والمثقفين العرب وقد وجدوا في مهرجان أبو ظبي السينمائي فسحة جديدة للقاء والحوار ، وتمتين الأواصر مع مبدعي العالم الكبار .
|
|
|
أرسلت في السبت 25 أكتوبر 2008 بواسطة riad |
|
| |
|