|

دبي ـ جمال آدم
قدم العمل الفنان الشاب مجد رياض تقديما لافتا معتمدا على إمكانياته الداخلية كممثل، وعلى الرغم من المحطات الإشكالية في حياة هذه الشخصية، إلا ان مجد كان واثقا من المحافظة على هدوئه وانفعالاته دون ان يسمح لضجيج الشخصية ان ينتقل إلى أدائه. والعمل لم يغفل دور الفنانة كندة حنا ويبرز العمل
اهتماما بممثلي الصف الثاني والثالث مبرزا دورهم في هذا العمل برز شغف المخرج الفنان نجدة أنزور بالبحث عن قضايا إشكالية ضمن حكاية الأعمال الدرامية التي قدمها خلال السنوات الخمس الأخيرة، والتي استطاع من خلالها لفت النظر إلى قضايا عامة تحمل هم الوطن والمواطن على حد سواء.
وعلى الرغم من ان التجارب التي حققها في بداية عمله بالدراما السورية نزعت باتجاه التعريف بحضوره كمخرج صاحب عين متميزة على حساب مضامين تلك التجارب التي قدمت تحت عنوان الفانتازيا، إلا أن الانقلاب الذي حققه بالاعتماد على النص والعودة إلى أحداثه وشخصياته، جعله يطلع بدور مهم محققا نقلة إضافية له ومحاولا العودة الى الطريق الذي سيجعل منه صاحب أعمال متميزة، وبعد تقديم خيارات واقتراحات درامية اقل من حضوره وسمعته مطلع العام 2000. ومنذ أن عرض مسلسلي (الناصر صلاح الدين) و(سقف العالم) قدم نفسه كمخرج صاحب اهتمام بما يخص المواطن العربي وقضاياه الملحة والتي تتعلق بطريقة تظهر آلية تعامل الآخر معه، وليتوج هذا بطرح على غاية الأهمية في هذا الموسم مع (رجال الحسم)، العمل الذي عرض على تلفزيون أبوظبي ويروي من منظار الفرد باتجاه الكل تأثير نكسة يونيو التي قضمت من خلالها إسرائيل أراضي عربية جديدة في الخامس من يونيو عام 1967.
وهكذا مضى أنزور يبحث في فسيفساء الشخصيات بهدف رصد ردود الأفعال التي دفعت إلى حدوث هذه الانتكاسة، وربما مضى العمل سريعا والذي يروي حالة التفسخ والانهيار الاجتماعي والمؤسساتي على مستوى البنى الاجتماعية التي أدت إلى تعظيم دور النكسة في المؤسسة الاجتماعية قبل المؤسستين السياسية والعسكرية.
ويبدو أن العمل يهتم بتقديم آلية معينة للتمثيل تقوم على رصد ردات الفعل المبنية على عوالم فن التمثيل دون ادعاءات وصراخ، وهذه تعتبر ميزة في هذا العمل، إذ انه يمضي باتجاه تحقيق أهدافه دون مبالغات في الشكل والمضمون والأداء، وأحسب ان هذه طريقة جديدة في تعاطي الدراما العربية مع العمل الفني، وبالمقابل تبرز في هذا العمل عناية أنزور بنقل البيئة بدقة واهتمام وتوظيف اللباس والإضاءة في إعادة المنظومة الاجتماعية لعام 1967 ويحسب له انه استطاع خوض هذه التفاصيل بثقة واهتمام، منوهين بالجانب التأريخي للدراما والدخول في اللعبة الفنية التي تؤكد انتماء الحدث إلى زمانه ومكانه.
يروي العمل قصة فارس، يؤدي دوره الفنان باسل خياط والذي يعتبر هذا الدور بالنسبة له إعادة اكتشاف لموهبة فنان فتح المستقبل له ذراعيه بقوة وحب، وفارس كان يعمل مدرسا في قريته المتاخمة لحدود الجولان السوري المحتل، ويختار فارس دراسة اللغة العربية إلى جانب لغة اختصاصية هي العبرية التي تفتح له آفاقا وسعة في مستقبل الشخصية، وفي الوقت الذي تكون فيه المنطقة في تلك الأثناء مليئة بالجواسيس الذين بثتهم إسرائيل لاستقصاء المنطقة قبل الدخول بالحرب، تقع الحرب فعلا وكل من في تلك البلدة كان يشعر بآثارها إلا الحكومات العربية.
مما يجعل العمل يفضح المنظومة السياسية آنذاك، ويبرز فارس في لحظة من اللحظات غير مهتم لتلك المنظومة او لخطاب الاستقالة الذي قدمه الزعيم جمال عبد الناصر عقب الهزيمة، والذي يرفض النزوح عن بلده، وأثناء القصف تموت أمه وأخوه الصغير وتصاب شقيقته بجروح ويلتحق فارس بفوج الاحتياط المغاوير ويبلي بلاء حسنا، ولكنه يواجه بالإخفاق كل حين، فماذا تنفع بطولة الفرد أمام انهيار الوطن، وهذا أقل ما يمكن ان يوصف في تلك المرحلة.
يكبر الجرح داخل فارس ويرى الموت قريبا منه، بل ينجح باسل خياط كممثل في نقل تعابير إضافية للشخصية التي يؤديها باقتدار شديد وتبرز كل حركة وكأنها ردة فعل إزاء حالة الخيبة التي ولدتها النكسة، وأمام كلام مقتضب وبسيط كانت ردة فعله بصمته، ذلك الصمت الذي لا يحتمل أي كلام آخر.
ويرى فارس في خسارة سوريا الحرب خسارة شخصية له، بل يرى ان الوطن يطلب منه العون بشكل شخصي؛ فيتداخل الإحساس بالواجب مع الإحساس بالانتقام شخصيا، ويطلب من السلطات ان ترسله إلى إسرائيل من أجل القيام بعمل فدائي فيأتي الجواب مع الرفض ويكبر في داخله الإحساس بالهزيمة، وهكذا يسافر فارس إلى ألمانيا وهناك يبدأ بالدخول في المجتمع الإسرائيلي ومؤامرات الموساد مستعينا بجواز سفر يهودي للبولوني ايشاك الذي يترك جواز سفره في الفندق الذي يقيم فيه، ولا يعود لأخذه.
وتصبح كل الأمور متماشية مع رغبة فارس بالانتقام والذي يتوج بالذهاب لإسرائيل ولكنه هذه المرة كمواطن إسرائيلي، وقد مهدت له الكولونيل ميراج الذهاب إلى هناك بعد أن أمضى معها وقتا ساعدها في التخلص من أعدائها وأعداء إسرائيل وهناك تبدأ جولة جديدة من المهمة التي أوكلها فارس لنفسه. إذا كان «نهاية رجل شجاع» العمل الذي قدم نجدة أنزور كاسم لافت مطلع تسعينات القرن الماضي فإن «رجال الحسم» يعيد طي كل المسلسلات الأخرى التي قدمها ويعيد تقديم أنزور كاسم عربي لافت في الإخراج وفق قراءة جديدة للنص الذي يقوده في مغامرة فنية جديدة.
صور رجال الحسم في أربع دول عربية وأجنبية وشارك فيه حوالي ثمانين ممثلا من مختلف الجنسيات، ونجح العمل في نقل نبض الشارع لجهة آثار الحرب التي خلفتها نكسة 1967.
ويعتبر (رجال الحسم) العمل العربي الوحيد الذي يشارك فيه كم كبير من نجوم الصف الأول في سوريا ولبنان، ونجحت مايا نصري في لعب دور العميلة الإسرائيلية، وقد اعتمد المخرج على شكلها وحضورها العفوي أمام الكاميرا.
ومضى ياسر المصري ليؤدي بإتقان دور العاشق والجاسوس، وقدم العمل الفنان الشاب مجد رياض تقديما لافتا معتمدا على إمكانياته الداخلية كممثل، وعلى الرغم من المحطات الإشكالية في حياة هذه الشخصية، إلا ان مجد كان واثقا من المحافظة على هدوئه وانفعالاته دون ان يسمح لضجيج الشخصية ان ينتقل إلى أدائه. والعمل لم يغفل دور الفنانة كندة حنا ويبرز العمل اهتماما بممثلي الصف الثاني والثالث مبرزا دورهم في هذا العمل.
|